طموحات تقنية

ناسا تطلق المسبار الفضائي أوزيريس ركس لإحضار عينات من بينو

لوكنت مدير وكالة ناسا للفضاء، أو فلنقل لو كنت مدير العلاقات العامة لوكالة ناسا، كيف ستجذب الانتباه لك لوكالتك، في نفس الوقت الذي تجد فيه أن الملابس المثيرة والعصرية تتصدر على ما يبدو العناوين وكافة منصات الإخبارية من أسبوع إلى آخر؟

إليك فكرة قد تساعدك: قم بإرسال مسبار فضائي على متن صاروخ مملوء بالوقود من أجل إقتفاء أثر كويكب غير مستقر حتى يرافق مداره المتزعزع، لكي يجمع عينة من التربة ويحملها بلطف عبر فلتر هوائي على عصا الكترونية من حقيبة الفضاء إلى الأرض، ليقوم العلماء بدراستها؛ هل تظن أن هذا الأمر مستحيل؟

إن كنت تظنه مستحيلاً فما هو رأيك إن قلت لك أن هذا ما تقوم به وكالة ناسا اليوم؟ نعم! … وكأن علم الصوريخ لم يكن صعباً بما فيه الكفاية قبل اطلاق “أوزيريس ريكس”.

ما هو “أوزيرس ريكس” ومالذي يميزه عن غيره

يُعد مسبار “أوزيريس ريكس”، مستكشف الأصول الطيفيّة ومحدّد الحماية المعزّز ومفسّر الموارد -المصطلحات صعبة؟ نعم! … ولكن تابعوا معنا فالموضوع شيق جداً- الأحدث في سلسلة محاولات إحضار العينات وأفضل فرصة في اكتشاف الفضاء لإحضار بعض عينات التربة الهامة بعد عدة محاولات سابقة من قبل بعثات “ستاردست” و”هايابوسا” التي عادت ببعض نثرات الغبار؛ وفي حال نجاحها، ستكون أول بعثة أمريكية لأخذ عينات من كويكب حاملةً معها أكبر عينة إلى الأرض منذ عهد أبولو (مشروع أبولو هو أول مشروع بشري يتم فيه إرسال البشر إلى الفضاء الخارجي برعاية الولايات المتحدة الأمريكية عام 1969 ميلادي).

موعد انطلاق المسبار ومسار رحلته الطويلة

هذا المساء، سينطلق أوزيريسريكس من قاعدة “كيب كنافيرال” بولاية “فلوريدا”، لإرسال المسبار “أوزيريس-ريكس” إلى الفضاء فى مهمة تستغرق سبعة أعوام. ومن المقرر أن يتم الإطلاق في الساعة 7:05 مساءً، مع تغطية مباشرة للحدث تبدأ الساعة 5:30 مساءً بالتوقيت الشرقي، لكي تستطيع مشاهدة الصاروخ حتى وصوله إلى الفضاء. وذلك عبر رحلة تستغرق عامين للوصول إلى الكويكب “بينو” الذي يدور في نفس مدار الأرض تقريباً بحلول أيلول (سبتمبر) 2019. وإلى أن يصل إلى هدفه، سيغير المسبار اتجاهه ببطء شديد نسبياً، (حيث أن كُلاً من الكويكب والمركبة الفضائية ما زالا مندفعان حول الشمس بسرعة تصل إلى 63،000  ميل في الساعة؛ ولمعرفة مدى تعقيد هذا الأمر يمكنكم تجربة لعبة على أجهزة الأندرويد تدعى SimpleRockets وهي لعبة رائعة تعطي محاكاة بسيطة جداً عن مفاهيم مشابهة لما يحدث هنا). ومن المعتقد أن “أوزيريس ريكس” سيدور في مدار حول “بينو” يبلغ قطره ميل واحد، بحسب بعض الدراسات المبدئية.

لمحة عامة عن كويكب “بينو”

يبلغ عرض الكويكب 1,614 قدم (أي ما يساوي 492 متر) في أوسع نقطة منه، وهذا يعادل ارتفاع مبنى “أمبايرستيت”، حيث يعد هذا المدار من أصغر مدارات الكواكب التي تحاول ناسا الدوران حولها.

يملك الكويكب ضعفاً بالجاذبية بسبب صغر حجمه، لذلك ستكون حركة سفينة الفضاء دقيقة، وسعياً لتحقيق ذلك، فإن السفينة مجهزة بأصغر الصواريخ المستخدمة في تاريخ الرحلات الفضائية على الإطلاق. حيث يقوم محركان صغيران بإعطاء ناسا قدرة ملاحية وإمكانية سيطرة جيدة على المركبة، ويكمّل المحركان مجموعة كبيرة تتألف من 28 محرك مختلف موجود على متن المسبار. يعتزم الفريق الملاحي أن يستخدم هذه المحركات فقط لإجراء مناورات بالغة الدقة في وقت لاحق من الرحلة، بالإضافة إلى أنهم يستطيعون استعمالهم في حالة الطوارئ.

الهدف من عملية إطلاق “أوزيريس ركس” وكيف سيقوم بها

حسب ما قال براين ساتر، من شركة “لوكهيد مارتن”: يجب على المسبار “أوزيرس ريكس” أن يتعامل مع ضعف الجاذبية التي تسبب ظواهر أخرى مثل الرياح الشمسية، والضغط الناتج من الطاقة الشمسية والأشعة المرتدة تحت الحمراء، وظواهر أخرى تؤثر على مدار الكويكب. وستعالج ناسا هذا الغموض الملاحي عبر استخدام نقاط علّام على سطح “بينو” للإحاطة بوضع المسبار”أوزيرس ريكس” والقيام بالتعديلات المناسبة على مداره. تلتقط المركبة الفضائية صوراً للكويكب كل ساعتين، بحيث تتناسق مع بعضها لكي تُرسَلَ إلى مقر البعثة، حيث سيقوم الملاحون بالعمليات الحسابية اللازمة لإبقاء المركبة في المسار المطلوب (عبر تصوير لقطات متناهية الصغر)”.

سيستخدم “أوزيرس ريكس” على مدى عام كامل، مسوحات الكاميرات العالية الفعالية، ومطياف الإنبعاث الحراري، ومقياس الإرتفاع الليزري ومعدات أخرى بهدف رسم خرائط ثلاثية الأبعاد لكل صدع، ووادي، إلى جانب دراسة هبوب الرياح الفضائية على الأرض المنبسطة فوق سطح “بينو”، وبالإضافة إلى توفير تفاصيل جديدة حول تضاريس الكويكب والسمات الجيولوجية الداخلية، كل هذه الخرائط ستساعد المهندسين في تحديد الموقع الملائم لاستخراج العينة المطلوبة ( مايعادل 4 أرطال من غبار “بينو”)  ونقلها إلى الأرض.

هذا ولن تهبط المركبة على سطح الكويكب لأخذ العينة، لأن ذلك يشكل خطورة عالية ويعد من المستحيلات بسبب انخفاض الجاذبية وحقيقة أن “بينو” عبارة عن كومة من الحطام (واعتقد أنكم في حال شاهدتم فيلم “أرمجدون” فإنكم ستتذكرون عندما يقفز “بن أفليك” بالمدرعة  فوق وادي في الكويكب الذي كان سيصطدم بالأرض؛ حسناً الأمر هنا مشابه للفيلم، إلا أن الكويكب لن يصطدم بشيء، أو هذا ما نأمله…) بالمقابل، ستطلق مركبة “ناسا” يد مفصلية داخل مسافة عميقة (وذلك شرط نجاح عملية الإطلاق في فضاء ضعيف الجاذبية) لتمتد على مسافة 10 أقدام مجهزة برأس لجمع العينات الذي لا يختلف عن فلتر هوائي دائري وكبير.

تتحرك الذراع ببطء (بمساعدة الصواريخ المركبة صغيرة الحجم) لتصل إلى سطح “بينو”، حيث ستطلق وابل من النتروجين الموجود في زجاجة على الذراع لتحريك التراب والصخور الصغيرة أثناء اتصال الرأس بالسطح. وستدفع بالغبار والرواسب المنطلقة إلى حجرة التجميع التي تستوعب صخور بحجم النصف بوصة في داخلها. ويعد فلتر الهواء في الخارج المنفذ الوحيد لانفجار الغازات والغبار بسبب مدة الاتصال القصيرة مع سطح الكويكب، حيث يتم جمع العينة، كما تعمل كلٌ من منصات الاتصال واللوحة الرئيسية لفلتر الهواء كفولاذ مغناطيسي “فيلكور”، ليمسك مواد إضافية بالتزامن مع ابتعاد الذراع، وستسغرق كل هذه الحركة ما يقارب 5 ثواني. تسمّي ناسا هذه العملية “اللمس والعودة” أو “هاي فايف”.

ويمتلك الفريق ما يكفي من النتروجين لثلاث محاولات في سبيل إحضار الحد الأدنى اللازم من العينات والذي يقدر بـ 2،1 أوقية، وذلك فقط في حال إيجادهم الموقع الذي يحوي على المواد الطليقة الكافية. وبعد نجاح مهمة مذنب “ستاردست” وجمع العينات بشكل مثالي سيتم حفظها في كبسولة؛ وبعد رحلة طويلة، ستدخل الكبسولة إلى الغلاف الجوي للأرض بسرعة حوالي 27 ألف ميل بالساعة، حيث أنها ستهبط بمظلة في رمال صحراء “أوتا” في أيلول (سبتمبر) عام 2023 وذلك في حال صمود الدرع الحراري.

مالذي يتمناه العلماء من هذا البرنامج

ستتيح هذه العينات الفرصة لمعرفة المزيد عن أصل الحياة ودراسة بعض العناصر الأصلية التي ساهمت في صنع النظام الشمسي، بما في ذلك اللبنات الأساسية للحياة على الأرض. ويعتبر كوكب “بينو” كتلة كربونية ونوع بدائي جداً من الكويكبات، والذي بالكاد تغير منذ تشكيل النظام الشمسي قبل 4.5 مليار سنة، حيث ستحتوي المواد التي تم جمعها من سطحه على معلومات فيزيائية وكيميائية عن البيئة المحيطة التي شكلت كوكب الأرض و الكواكب المجاورة. “وستجيب هذه الدراسات عن أسئلة تتعلق بكيفية تطور النظام الشمسي وسبب وجودنا هنا؟” وذلك حسب ما قال فيليب هيك، الراعي الرئيسي لأكبر مجموعة خاصة من النيازك في العالم  والتي عُرِضَت في متحف فيلد في شيكاغو، و أضاف هيك: “لن نسطيع أبداً أن نحل اللغز كاملاً، ولكن ستوفر هذه المهمة جزءاً من الحل”.

وبالرغم من العدد الهائل من النيازك التابعة إلى الأرض الذي يبلغ حوالي 60 ألف نيزك، تأتي نسبة ضئيلة منها من كويكبات كربونية. وتقوم الأرض بتصدي لها عبر تبخير الغازات المتطايرة، وتذويب المعادن في عالمنا الغني بالمياه؛ أما العينة القادمة من “بينو” فإنها ستوفر صلة الوصل المفقودة وتفتح أبواب عوالم جديدة في اكتشاف أشخاص لم يولدوا بعد، عن طريق تكنولوجيا لم يتم التوصل إليها.

ما هو مصير العينات التي سيتم جمعها في المستقبل

سيتم أرشفة حوال 75 بالمئة من العينة في مركز جونسون لعلوم الفضاء ليدرسها علماء الأجيال القادمة، على أمل أن يستطيع أحدهم أن يكتشف طريقة لإيقاف “بينو” من الاصطدام المحتمل بالأرض في أواخر القرن الثاني والعشرين. وفي سيناريو أسوء، سيلهم إنتاج فيلم أخر من أرمجدون.

 

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

To Top